السلام عليكم ورحمة الله وبركات
أهلا وسهلا
الرجاء التسجيل في المنتدى

حقيقة الموت

اذهب الى الأسفل

حقيقة الموت

مُساهمة من طرف احمد خضراوي في الجمعة 22 أبريل 2011 - 23:25

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
المقدمة:
جبل الله الخلق على حب الحياة وكراهية الممات، فإن كان ركونا إلى الدنيا... وحبا لها وإيثارا ، فله الويل الطويل من الغبن ، وإن كان خوفا من ذنوبه ورغبة في عمل صالح يستفيده فالبشرى له من المغفرة والنعيم ، وإن كان حياء من الله تعالى لما اقتحم من مجاهرته فالله تعالى أحق أن يستحيا منه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى : > وهذا الحديث ركبه على هذه الثلاثة أحوال ، فبحسب ذلك يكون التأويل ، وقد جاء في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها زيادة حسنة في هذا الحديث ؛ قالت عائشة : قلت : يارسول الله ، كلنا نكره الموت . قال لها :>. رواه مسلم [ح2684]والترمذي [ح1067] والنسائي [ح1837] وابن ماجة [4264].
حقيقة اعتقاديه:
قال ابن العربي المالكي : في كتابه القبس شرح موطأ مالك ابن انس المطبوع ضمن موسوعة شروح الموطأ [ج7/395].
اعلموا ، وفقكم الله ، أن الموت ليس بعدم محض ، ولا فناء صرف ، وإنما هو تبدل حال بحال ، وانتقال من دار إلى دار ، ومسير من غفلةٍ إلى ذكرٍ ، أو من حال نوم إلى حال يقظة . وهي المقصود الأول لذلك وجب الاستعداد له .
الاستعداد للموت:
وينبغي للإنسان أن يتذكر حاله ونهايته في هذه الدنيا ، وليست هذه النهاية نهاية ، بل وراءها غاية أعظم منها وهي الآخرة ، فينبغي للإنسان أن يتذكر دائما الموت لا على أساس الفراق للأحباب والمألوف ؛ لأن هذه نظرة قاصرة ، ولكن على أساس فراق العمل والحرث للآخرة ، فإنه إذا نظر هذه النظرة استعد وزاد في عمل الآخرة ، وإذا نظر النظرة الأولى حزن وساءه الأمر ، وصار على حد قول الشاعر :
لا طيب للعيش ما دامت مُنَغَصة لذاته بادِّ كار الموت والهرم .
فيكون ذكره على هذا الوجه لا يزداد به إلا تحسرا وندما ، أما إذا ذكره على الوجه الأول وهو أن يتذكر الموت ليستعد له ويعمل للآخرة ، فهذا لا يزيده حزنا ، وإنما يزيده إقبالا إلى الله عز وجل ، وإذا أقبل الإنسان على ربه فإنه يزداد صدره انشراحا ، وقلبه اطمئنانا .الشرح الممتع على زاد المستقنع للشيخ محمد بن صالح العثيمين [ج2 / 463].
وليعلم أن الموت جسر بين حياتين ؛ حياة الدنيا الفانية ، وحياة الآخرة الخالدة ، والدنيا مزرعة للآخرة ، فمن عمل صالحا في دنياه ، نجا من سوء الحساب والعذاب في الآخرة ، وكان من الخالدين في جنان الله ، ومن عمل سوءا كان من المعذبين في نار جهنم إلا أن يعفو الله عنه .
ومن هنا كان مستحبا على كل مسلم ذكر الموت والاستعداد له لقوله صلى الله عليه وسلم :>رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو نعيم عن ابن عمر ، ورواه الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة ، ورواه آخرون عن أنس وهو صحيح .
وقوله هادم اللذات يعني الموت ، والهادم القاطع ، زاد البيهقي والنسائي :> أي كثير من الدنيا ، فيقلل طلبها ،وقليل من العمل ، فيكثر طلبه .
والاستعداد للموت يكون بالخروج من المظالم ، والتوبة من المعاصي ، والإقبال على الطاعات لقوله تعالى :{{ {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (110) سورة الكهف }} ولما روى ابن ماجة بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر جماعة يحفرون قبرا فبكى حتى بل الثرى بدموعه ، وقال : > أي تأهبوا واتخذوا له عدة ، وهي ما يعد للحوادث والسفر .
حسن ظن من حضرته الوفاة بربه :
وينبغي أن يكون المريض الذي حضرته الوفاة حسن الظن بالله تعالى ، لما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:>رواه مسلم وأحمد ، أنظر صحيح الجامع [ح7669] ومعناه أن يظن أن الله تعالى يرحمه ويعفو عنه ، فيرجو ذلك كرما ورحمة ومسامحة ؛ لأنه سبحانه أكرم الأكرمين ، وعفو
يحب العفو ، يعفو عن السيئات ويقيل العثرات ،ويكون عند حسن ظن العبد به كما جاء في الحديث القدسي قال الله تعالى :>.
والحديث متفق عليه وفي رواية لأحمد :>أنظر له صحيح الجامع [ح1663].لهذا ينبغي له أن يقدم الرجاء على الخوف وأن يحسن ظنه بربه سبحانه .
حقوق الميت على المسلمين : إن للميت المسلم حقوق ستة على غيره من المسلمين ، وهي حضوره ، وغسله ، وتكفينه ،وحمله ، والصلاة عليه ودفنه [1]،ويستحب الدعاء له بالثبات بعد الفراغ من دفنه ، والذي يعنينا من هذه الحقوق هو الصلاة عليه ، والذي يعنينا من الصلاة عليه أين يُصلى عليه ، في المصلى أو المسجد أو المقبرة ، أو على قبره ؟ وهذا ما سنعرفه؛ ولكن بعد أن نعرف حكم الصلاة عليه ، هل هي واجبة أم سنة ؟وقبل أن نعرف ذلك نعرج على تعريف الجنائز لغة وشرعا ،ثم أبين أين يصلى على الجنائز ، وهل السنة في ذلك أن تكون في المصلى أو في المسجد أو في كليهما ، وما حكم الصلاة عليها في المقبرة ،وهذه المسألة الأخيرة قد أطلت فيها النفس وبينت فيها الراجح لأنها هي بيت القصيد من بحثنا هذا، لأنه ظهر في هذه الآونة الأخيرة قِبَلنا شبابٌ ضاقت عليهم مسالك الخلاف ، ومسوغات الاجتهاد المتسعة التي يحتملها الدليل ، وذلك لضيق عطنهم ، فنطقوا بالجهل ، وأصبحوا ينكرون كل قول يخالف ما هم عليه حتى لو كان قولهم شاذا ؛ بل لم يكتفوا بذلك حتى رموا من خالفهم فيما اختلف فيه السلف الصالح بالبدعة والضلال وما علموا أن البدعة والضلال هي في التعصب ،واتباع الأهواء ،والتزمت للرأي ؛ولو كان مرجوحا أو باطلا ، ومن ذلك هذه المسألة التي نحن بصدد تحريرها ، فإنني رأيت كثيرا من شباب النهضة والصحوة –إن صح هذا التعبير- من يترك الصلاة على الجنازة في طرف المقبرة ،أو داخلها ويرمي من فعله بالبدعة ، وما علم أن فعله ذلك هو المجانب للصواب ، وأن سنة المصطفى واضحة في هذا الباب كما سأبينه – إن شاء الله .
حكم صلاة الجِنازة :
وقبل أن نعرف حكم الصلاة على الجنازة، ينبغي أن نعرف معناها في اللغة والشرع حتى نفهم المقصد من الجنازة عند الإطلاق.
تعريف الجنائز:
الجَِنائز جمع جنازة، وهي بفتح الجيم وكسرها بمعنى واحد، وقيل:بالفتح اسم للميت وبالكسر اسم لما يحمل عليه الميت فإذا قيل: [جَنازة ] أي ميت ، وإذا قيل : [جِنازة ] أي نعش .
وهذا تفريق دقيق ؛ لأن الفتح يناسب الأعلى ، والميت فوق النعش ، والكسر يناسب الأسفل والنعش تحت الميت .
قال الحفظ ابن حجر رحمه الله: في كتابه الفذ فتح الباري الذي قيل فيه : لا هجرة بعد الفتح [ج3/131] :والجنائز بفتح الجيم لا غير جمع جَنازة بالفتح والكسر لغتان ، قال ابن قتيبة وجماعة : الكسر أفصح ، وقيل بالكسر للنعش وبالفتح للميت ، قالوا لا يقال لنعش إلا إذا كان عليه الميت .
وقال ابن العربي المالكي: [ في كتابه القبس شرح موطأ مالك ابن أنس : المطبوع ضمن موسوعة شروح الموطأ][ج7/395]قال علماؤنا رحمة الله عليهم : الجنازة لفظ ينطلق على الميت وينطلق على الأعواد التي يحمل فيها ، ويقال بفتح الجيم وكسرها . وسمعت عن ابن الأعرابي أنه قال: إذا فتحت فهو الميت ، وإذا كسرت فهي الأعواد .وإني أخاف أن يكون أخذ ذلك من هيئة الحال ، وليس ذلك كما زعم علماؤنا أنهما لغتان ، وإنما الجنازة الميت بنفسه ، فإن سميت به الأعواد فإن ذلك مجاز ،والدليل عليه الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: >.الحديث أخرجه البخاري [ح1316 ] من حديث أبي سعيد الخدري.
حكم صلاة الجَنازة:
والصلاة عليه فرض كفاية ؛ وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الأموات باستمرار، وكان يقول : :متفق عليه البخاري [5056] مسلم [1619]. ، وأمر أن يُصلى على المرأة التي رجمت،وهذا فيه ترك الصلاة على بعض موتى المسلمين؛ ولو كانت فرضا عينيا لما ترك الصلاة عليهم ، وقال الله عز وجل : {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ } (84) سورة التوبة }. فلما نهى عن الصلاة على المنافقين دل على أن الصلاة على المؤمنين شريعة قائمة وهو كذلك .الشرح الممتع [ج2/486].
قال ابن عبد البر حافظ المغرب والمشرق : في كتابه العظيم التمهيد المطبوع ضمن موسوعة شروح الموطأ [ج7/489]؛وفي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على النجاشي وأمره أصحابه بالصلاة عليه وهو غائب ، أوضح الدلائل على تأكيد الصلاة على الجنائز ، وعلى أنه لا يجوز أن تترك جنازة مسلم دون الصلاة ، ولا يحل لمن حضره أن يدفنه دون أن يصلى عليه ، وعلى هذا جمهور علماء المسلمين من السلف والخلف ، إلا أنهم اختلفوا في تسمية وجوب ذلك ، فقال الأكثر : هي فرض على الكفاية .
وقال بعضهم: هي سنة واجبة على الكفاية، يسقط وجوبها بمن حضرها عمن لم يحضرها.وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على جنائز المسلمين ، من أهل الكبائر ، أو صالحين ، وراثة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا، واتفق الفقهاء على ذلك إلا في الشهداء وأهل البدع والبغاة فإنهم اختلفوا في الصلاة على هؤلاء. انتهى كلامه رحمه الله .
وقد بوب البخاري في صحيحه : باب سنة الصلاة على الجنائز ، قال ابن حجر رحمه الله : الفتح [ج3/227] : قال الزين بن المنير : المراد بالسنة ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، يعني فهو أعم من الواجب والمندوب ، ومراده بما ذكره هنا من الآثار والأحاديث أن لها حكم غيرها من الصلوات وما فيها من الشروط والأركان .وقد استدل البخاري على شرعية هذه الصلاة بآثار وأحاديث فقال : الفتح [ج3/226 ] : وقال النبي صلى الله عليه وسلم : > وقال :> وقال :>.
وقال الإمام النووي رحمه الله: في كتابه شرح صحيح مسلم الذي يعتبر عمدة في شرحه:[ج7/21]وأجمعوا على أنها فرض كفاية.أي الصلاة على الجنازة .
أين يصلى على الجنازة ؟
وبعد أن مات الميت، وجهزناه يأتي السؤال أين يصلي عليه ؟ في المصلى ، أم في المسجد أم في المقبرة ؟وللجواب عليه يقال :هذا السؤال يتكون من ثلاث فقرات .
أ - حكم الصلاة عليه في المصلى ؟ ب – حكم الصلاة عليه في المسجد ؟
ج – حكم الصلاة عليه في المقبرة ؟
أ- حكم الصلاة على الجنازة في المصلى ؟
والسنة المشروعة في هذا والتي لا خلاف فيها بين أهل العلم أن يُصلى عليه في المصلى كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حينما نُعي إليه النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بالصحابة إلى المصلى وصلى بهم هناك عليه صلاة الغائب .وهو حديث متفق عليه .
قال ابن عبد البر رحمه الله ؛وهو يشرح هذا الحديث عند الموطأ [موسوعة شروح الموطأ [ج7/ص486]: والسنة أن تخرج الجنازة إلى المصلى ليصلى عليها هناك ، وفي ذلك دليل على أن صلاته صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء في المسجد إباحة ليس بواجب، وسيأتي القول في ذلك – إن شاء الله- .
وقد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه : الفتح :[ج3/236 ]باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد .ثم ذكر حديث نعي النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي للصحابة، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم صف بهم بالمصلى فكبر عليه أربعا .
وذكر حديثا آخرا وهو أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة زنيا، فأمر بهما فرجما قريبا من موضع الجنائز عند المسجد.
قال الحافظ ابن حجر: قد دل حديث ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكان معد للصلاة عليها.وحكى ابن بطال عن ابن حبيب أن مصلى الجنائز بالمدينة كان لاصقا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية جهة المشرق.انتهى .
قلت : أي قريب من البقيع ،لأن جهة المشرق لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم هو بقيع الغرقد ، وفيه المقبرة التي كانوا يدفنون فيها موتاهم وهي معروفة إلى اليوم ، وفيها دفن أكثر الصحابة ، وقبورهم مسوية بالأرض على خلاف ما عليه جماهير المسلمين اليوم من رفعهم القبور عن الأرض وبنائها تشبها بغيرهم من أهل الكتابين .
قال الشيخ العثيمين رحمه الله : والمصلى ؛ إما مصلى الجنائز ؛ لأنه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان للجنائز مصلى خاص . وإما مصلى العيد ، والحديث محتمل للقولين وبكل من القولين قال بعض العلماء .فمن قال:إن المراد مصلى العيد، قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك إظهارا لشرف هذا الرجل الصالح، وردا لجميله، لأنه آوى الصحابة الذين هاجروا إليه.وكونه يصلي عليه في مصلى العيد أظهر.
وقال بعض العلماء: المراد مصلى الجنائز، لأن أل للعهد، وهذه صلاة جنازة فتحمل على المعهود في صلاة الجنازة، وهو مصلى الجنائز.ورجح الشيخ هذا القول .الشرح الممتع على زاد المستقنع [ج2/ص456-457].

حكم الصلاة على الجنازة في المسجد ؟
وأما الصلاة على الجنازة في المسجد ففيها رأيان : الكراهة عند الحنفية والمالكية ، والجواز عند الشافعية والحنابلة .
وقد بوب الإمام مالك رحمه الله في الموطأ الذي يعد هو عمدة كتب الحديث والفقه:موسوعة شروح الموطأ [ج7/538] - الصلاة على الجنائز في المسجد - واستدل لذلك بحديث أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها أمرت أن يمر عليها بسعد بن أبي وقاص في المسجد حين مات لتدعوَ له، فأنكر ذلك الناس عليها ، فقالت عائشة: ما أسرع الناسَ ! ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل ابن بيضاء إلا في المسجد .
قال ابن عبد البر رحمه الله: موسوعة شروح الموطأ[ج7/540]قال أبو عمر- ويعني نفسه- أما قول عائشة في هذا الحديث : ما أسرع الناسَ ! ففيه عندهم قولان .
أحدهما: ما أسرع النسيان إلى الناس. والقول الآخر: ما أسرع الناس إلى إنكار ما لا يعرفون ! ثم احتجت عليهم بالحجة اللازمة لهم ، إذ أنكروا عليها أمرها بأن يمر بسعد عليها فيصلى عليه في المسجد ، وكان سعد قد مات في قصره بالعقيق .
قال ابن عبد البر : موسوعة شروح الموطأ [ج7/ 542] وأما اختلاف الفقهاء في الصلاة على الجنائز في المسجد فروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: لا يصلى على الجنائز في المسجد ، ولا يدخل بها المسجد .وهو قول أبي حنيفة ومحمد ابن الحسن ، وخالفهما أبو يوسف فقال بالجواز .
قلت : وقول مالك ذلك مخالف لما رواه هو من حديث عائشة وهو حجة عليه لأن الذي حفظ حجة على من لم يحفظ ، والمثبت مقدم على النافي، وعائشة حفظت ونسي القوم ، وهذا
كحديث عبد الرحمن بن عوف في الطاعون :قول النبي صلى الله عليه وسلم > فقد حفظ عبد الرحمن بن عوف هذا ونسيه القوم، وكان فيهم عمر وأبو عبيدة بن الجراح وكثير من كبار الصحابة ، وكراهة مالك للصلاة على الجنائز في المسجد مستدلا بأنه لم يكن من عمل أهل المدينة ، مع كونه روى الحديث في موطئه ،يعتبر مرجوحا لأنه يقال كيف يؤخذ بعمل قوم تجهل السنة بين أظهرهم ؟
وقد بوب البخاري في صحيحه :باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد .واستدل بحديث صلاة النبي على النجاشي في المصلى ، وحديث ابن عمر أن النبي رجما اليهوديين قريبا من موضع الجنائز ، واستدلال البخاري بهذا ليدل على أن مصلى العيد أو الجنائز يعطى حكم المسجد لأمره صلى الله عليه وسلم الحيض بالخروج إلى صلاة العيد وأن يعتزلن المصلى .
قال ابن حجر رحمه : الفتح [ج3/237]: واستدل به على مشروعية الصلاة على الجنائز في المسجد ، ويقويه حديث عائشة : أخرجه مسلم .وبه قال الجمهور .واستدلوا أيضا بما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه وغيره :> زاد في رواية > وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك .وقال مالك لا يعجبني ، وكرهه ابن أبي ذئب وأبو حنيفة .

الراجح:
والراجح في المسألة الجواز ، وهو مذهب الشافعي وأصحابه ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق وأبو ثور ، وداود ،وهو قول عامة أهل الحديث والقول به أقوى ، والأدلة تشهد له منها حديث عائشة أنها قالت منكرة على الصحابة لما استنكروا عليها : .وفي رواية : اللفظ الأول رواه مسلم أنظر صحيح سنن أبي داود[ح 2731]، والثاني: رواه الجماعة إلا البخاري أنظر صحيح سنن أبي داود [ح2730]وصحيح سنن ابن ماجة [1518]ونيل الأوطار [ج4/ 68] ونصب الراية [ج2/276].
قلت : وهذا ما عليه الصحابة فإن أبا بكر رضي عنه صلى عليه عمر في المسجد ، وكذلك صلى صهيب على عمر رضي الله عنهما في المسجد ، ولو كان شيئا محظورا لأنكره الجمع من الصحابة الذين حضروا الصلاة على أبي بكر مع عمر، وكذلك الذين حضروا الصلاة على عمر مع صهيب ، وأما إنكار الناس على عائشة فلسرعة نسيانهم ..
قال ابن عبد البر: في كتابه الاستذكار ، المطبوع ضمن موسوعة شروح الموطأ [ج7/548] وقد صحح أحمد بن حنبل السنة في الصلاة على الجنائز في المسجد وقال بذلك . وهو قول الشافعي وجمهور أهل العلم ، وهي السنة المعمول بها في الخليفتين بعد رسول الله ، صلى عمر على أبي بكر في المسجد ، وصلى صهيب على عمر في المسجد بمحضر كبار الصحابة ، وصدر السلف من غير نكير ، وما أعلم من يكره ذلك إلا ابن أبي ذئب
ورويت كراهية ذلك عن ابن عباس من وجوه لا تصح ولا تثبت ، وبعض أصحاب مالك رواه عن مالك ، وقد روي عنه جواز ذلك من رواية أهل المدينة وغيرهم .
وقال الخطابي في معالم السنن [ج1/312]وقد ثبت أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما صُلي عليهما في المسجد ، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما ، وفي تركهم الإنكار الدليل على جوازه ، ويحتمل أن يكون معنى حديث أبي هريرة – إن ثبت – متأولا على نقصان الأجر ، وذلك أن من صلى عليها في المسجد ، فالغالب أنه ينصرف إلى أهله ، ولا يشهد دفنه ، وأن من سعى إلى الجنازة فصلى عليها بحضرة المقابر ، شهد دفنه ، وأحرز أجر القيراطين وقد يؤجر على كثرة خطاه ، وصار الذي يصلي عليه في المسجد منقوص الأجر بالإضافة إلى من يصلي عليه خارج المسجد .
قلت : وهذا التأويل واقع ومشاهد ، فالكثير الكثير ممن يفرط في اتباع الجنازة إلى القبر والبقاء حتى يُدفن ، وكأن الحديث فيه حث على الصلاة على الجنازة خارج المسجد حتى يحضرها من يصلي عليها ولا ينتقص من أجره شيء .
أما حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: > فهو حديث غير ثابت ، وهو مضطرب ، وقد ورد بألفاظ وقال الإمام النووي :إنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به ، وقال أحمد بن حنبل حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوأمة ، وهو ضعيف .والحديث رواه أبو داود وابن ماجة وابن عدي وابن أبي شيبة ولفظه عنده : > أنظر نصب الراية [ج2/ 275]ونيل الأوطار [ج4/68]وما بعدها .
قال ابن عبد البر موسوعة شروح الموطأ :[ج7/545] واحتج من ذهب مذهب مالك بحديث صالح مولى التوأمة هذا مع ما ذكرنا من إنكار من أنكر على عائشة .
وقال آخرون : أما رواية أبي حذيفة عن الثوري لهذا الحديث ، وقوله فيه > فخطأ لا إشكال فيه ، ولم يقل أحد في هذا الحديث ما قاله أبو حذيفة .قالوا: والصحيح في هذا الحديث ما قاله يحي القطان ، وسائر رواة هذا الحديث عن ابن أبي ذئب بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك قوله : > وهذا هو الصحيح في هذا الحديث .
قالوا : ومعنى قوله :> يريد لا شيء عليه ، قالوا : وهذا فصيح معروف في لسان العرب ، قال الله عز وجل :{{ {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا} (7) سورة الإسراء } بمعنى : فعليها ، ومثله كثير .قالوا وصالح مولى التوأمة من أهل العلم بالحديث من لا يقبل شيئا من حديثه لضعفه ، ومنهم من يقبل من حديثه ما رواه ابن أبي ذئب عنه خاصة ؛ لأنه سمع منه قبل الاختلاط ، ولا خلاف أنه اختلط فكان لا يضبط ولا يعرف ما يأتي به ومثل هذا ليس بحجة فيما انفرد به ، وليس يعرف هذا الحديث من غير روايته البتة ، فإن صح فمعناه ما ذكرنا . وبالله توفيقنا .
قلت : والحديث :قال عنه الشيخ الألباني : حسن ولكن بلفظ : .أنظر صحيح سنن أبي داود [ح2732 ]والسلسلة الصحيحة [ح2351].وعليه يتعين تأويله بالمعنى الذي ذكره ابن عبد البر >
أو بالتأويل الذي ذكره الخطابي. وقد أقر ابن القيم رحمه كلام ابن عبد البر ، ونصره ، أنظر تهذيب السنن [ج1/325،326]وقد أشار إلى تأويل الإمام الخطابي الذي ذكرناه عنه ، وخلص إلى الصواب من ذلك بقوله : والصواب ما ذكرناه أولا ، وأن سنته وهديه الصلاة على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر ، وكلا الأمرين جائز ، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد والله أعلم . زاد المعاد في خير هدي العباد [1/500-502].
قال الشيخ العثمين : بعد ذكر حديث عائشة في الصلاة الجنازة في المسجد: فإن قال قائل : على القول بالكراهة فأين يصلى على الجنائز ؟
والجواب: يعد مصلى خاص بالجنائز، كما هو متبع في كثير من البلاد الإسلامية، وينبغي أن يكون قريبا من المقبرة، لأنه أسهل على المشيعين.الشرح الممتع لزاد المستقنع [ج2/549].
يتبع إن شاء الله ...

_________________
*********************************************
الكشافة .. عطاء فتية في زمن لا يعرف أصحابه إلا الأخذ.
الكشافة .. رجولة قبل أوانها.
الكشافة .. أشبال تعد سيماهم بالنهضة المظفرة.
الكشافة .. ربطة يزين بها شبابنا جيد الوطن.
الكشافة .. عقدة يشد بها مجتمعنا رباط أواصره.
الكشافة .. واحة في بارد النسمات في حمم العصر اللاهبة.
الكشافة الكشافة .. شمعة فرح تضيء الدرب للجيل و تهديه السبيل.
avatar
احمد خضراوي
كشاف متقدم
كشاف متقدم

عدد المساهمات : 42
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 21/04/2011
العمر : 28

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى